أحمد الشرباصي
195
موسوعة اخلاق القرآن
لداعيه الذي يغرق صاحبه في الجزع والهوان ، واللائق بصاحب الصبر أن يحاول كي يجعل صبره صبرا جميلا ، وهو الصبر الذي لا شكوى معه ، وإن كان هناك شعور بالألم أو إحساس بالأذى ، ولذلك أمر اللّه تعالى رسوله بهذا اللون من الصبر ، فقال له في سورة المعارج : « فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا » ، وقد جاء في سورة يوسف ذكر الصبر الجميل مرتين على لسان أحد الأنبياء وهو يعقوب ، وذلك في قوله تعالى : « قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ » ، في الآية الثامنة عشرة ، ثم في الآية الثالثة والثمانين من السورة . والصبر يكون عميقا مثمرا إذا صار كالطبع للانسان ، وقد يساعد على هذا الفهم أننا نلاحظ في حديث القرآن الكريم عن الصبر أن « مفعول الصبر » يحذف غالبا للدلالة على أنه صار كالطبع للفاعل ، ولم ترد مادة « الصبر » في القرآن مع ذكر مفعول إلا في آية واحدة ، وهي قوله تعالى : « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ » . وقد نوه رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام بشأن الصبر ومكانته ، فقال : « الصبر ضياء » . وقال : « ما أعطي أحد عطاء خيرا له وأوسع من الصبر » . كما قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه « خير عيش أدركناه بالصبر » . ولعل القرآن الكريم لم يكثر من ذكر خلق من أخلاقه كما فعل في شأن الصبر ، حتى قال الإمام أحمد : الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعا . وقد كرر القرآن الأمر بالصبر ، فتكررت كلمة « اصبر » تسع عشرة مرة ، كقوله تعالى : « وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ » . وقوله : « فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ » * . : وقوله : « وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ » ، وتكررت كلمة « اصبروا » ست مرات كقوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » . وقوله : « فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ » ولذلك قال العلماء إن الصبر واجب بإجماع الأمة ، ولا عجب فهو نصف